محمد القصبجي : ملحن وموسيقار سابق لعصره أسلوبا وتكنيكا
محمد القصبجي احد أعلام الموسيقي والتلحين وأستاذ في آلة العود، اقترن اسمه باسم أم كلثوم وغنت له أروع أغانيه كما لحن لها أجمل أغانيها، ومعا حققا مجدا فنيا لا يضاهي جمع الموسيقار محمد القصبجي بين الحداثة والرومانسية في نسيج جديد علي الموسيقي العربية وما أدخله من تطوير علي فنون الموسيقي العربية جعله يقف بجدارة في مصاف الرواد من ابرز إنجازاته الفنية ما حققه من تطوير لأشكال الغناء التقليدي كالدور والطقطوقة، واتخذت الأغنية بفضله شكلها المعروف اليوم، كما كان له دور في تطوير الموسيقي البحتة والتخت الشرقي.
يعتبر محمد القصبجي من الملحنين ذوى الإنتاج الغزير وتجاوزت ألحانه الألف لحن، نال معظمها الشهرة والانتشار، وغنى له أساطين الغناء مثل منيرة المهدية، أم كلثوم، أسمهان، وصالح عبد الحي صاحب محمد القصبجي في رحلته الفنية الشاعر أحمد رامي، وكون الاثنان معا ثنائيا فنيا نادر الوجود، وقد امتزجت ألحان القصبجي الحالمة بكلمات رامي الرقيقة فأطلقا أعذب الأغاني التي رقت لها الأسماع والمشاعر، وأكمل صوت أم كلثوم الثالوث الفني الذي ترك رصيدا من الإبداعات أصبحت من كنوز الشرق.
محمد علي إبراهيم القصبجي، ولد في 15/4/ 1892 بالقاهرة، بعد 29 يوما فقط من مولد السيد درويش، تخرج من مدرسة المعلمين، كان يهوي الموسيقي منذ صغره، وكان يقوم بأداء الأدوار القديمة في الحفلات الساهرة وأصبح زميلا لمطربي هذا العهد أمثال (علي عبد الهادي – زكي مراد – أحمد فريد –عبد اللطيف البنا – صالح عبد الحي).
وأول لحن له هو دور (وطن جمالك فؤادي يهون عليك ينضام) من كلمات شاعر عصره الشيخ أحمد عاشور، ثم أنضم إلي تخت العقاد الكبير (عازف القانون) بعد أن أعجب به هو والمرحوم مصطفي بك رضا رئيس نادي الموسيقي الشرقية.في عام 1920 اتجه القصبجي اتجاها آخر في تلحين الطقاطيق، والتي كتبها الشيخ يونس منها (بعد العشا – شال الحمام حط الحمام) وفي 1923 أستمع محمد القصبجي إلي السيدة أم كلثوم وكانت تنشد قصائد في مدح الرسول وأعجب بها وفي عام 1924 لحن أول أغنية لأم كلثوم وهي (آل إيه حلف مايكلمنيش) وظل من ذلك اليوم يعاونها لآخر يوم في حياته، كما ينسب إليه فضل التجديد في المونولوج الغنائي بداية من "إن كنت أسامح وأنسى الآسية" إلى "رق الحبيب" .كما قدم ألحانا للسينما وكان من أكثر الملحنين إنتاجا طوال 50 عاما وقدم للمسرح الغنائي الكثير .. قدم لمنيرة المهدية مسرحية "المظلومة"، "كيد النسا"،"حياة النفوس"، "حرم المفتش" كما قدم لنجيب الريحاني ثلاثة ألحان في أوبريت "نجمة الصباح" وأيضا لحن الفصل الأول من "أوبرا عايدة" الذي غنته أم كلثوم في فيلمها عايدة في أوائل الأربعينات وكان محمد القصبجي يتطور ولكن في إطار المحافظة علي النغمة الشرقية الأصيلة.
موسيقاه التي لم تقترن بأصوات كمقدمات الأغاني وما تخللها من مقاطع أو كمقطوعات موسيقية فقد جسدت مثالا لما يطمح إليه من تطوير وقد برع في تقديم أفكار موسيقية جديدة فتحت الباب للتنويع والابتكار ومن مقطوعاته الموسيقية مقطوعة بعنوان ذكرياتي غير فيها القالب التركي القديم من ميزان السماعي إلى إيقاعات متنوعة وإن احتفظ فيها بالتسليم الذي تعود إليه الموسيقى في النهاية، وتباينت مقاطعها بين الوحدة الكبيرة والعزف المنفرد على العود غير المصحوب بإيقاع، وفى النهاية مقطع شبيه باللونجا، وتطلبت تكنيكا جديدا في العزف وهى مقطوعة قلما يعرفها عازف عود أو كمان وللقصبجي أسلوب فريد اتسم بالشاعرية وقد اختار لألحانه أفضل الكلمات وأرقها، وقد اجتذب على الأخص جمهور المثقفين والطيعة المتوسطة التي كانت آخذة في النمو في ذلك الوقت وعلى طريق تطوير الأداء الموسيقى استخدم القصبجي آلات غربية مستحدثة على التخت الشرقي فأضاف صوت آلة التشلو الرخيم والكونترباص المستعملتين في الأوركسترا الغربي من العائلة الوترية ذات الحجم الكبير، وهذه الآلات لا تصاحب المغنى في أدائه على عكس بقية أعضاء التخت، وإنما تصدر نغمات مصاحبة في منطقة الأصوات المنخفضة مما يعطى خلفية غنية للحن الأساسي، مما أعطى عمقا لأداء الفريق لم يعهد من قبل في الموسيقى الشرقية الي طالما اعتمدت على التخت الشرقي البسيط المكون عادة من العود والكمان والقانون والناي بالإضافة إلى آلة إيقاع وهذه الإضافة تدلنا على أن محمد القصبجي كانت له طموحات موسيقية جاوزت حد التلحين والغناء وأنه أراد تطوير الأداء وتقديم الجديد في الموسيقى كان محمد القصبجي صاحب مدرسة خاصة في التلحين والعناء ولم يقلد أحدا في ألحانه، وقد صنع في ألحانه نسيجا متجانسا بين أصالة الشرق والأساليب الغربية المتطورة فكان بذلك مجددا ارتقى بالموسيقى الشرقية نحو عالم جديد، واهتم كثيرا بالعنصر الموسيقى إلى جانب العنصر الغنائي في أعماله وكما هو الحال مع الرواد فإن ألحان القصبجي ما زالت تردد لليوم، وكثير من أغاني القصبجي شائعة ومحبوبة لخفة ألحانها ورشاقتها وسهولة أدائها، وقد لا تتعرف الأجيال الجديدة على أسماء الملحنين القدامى رغم تعرفها على أغانيهم،لكننا هنا نلقى الضوء على أسمائهم وأعمالهم حتى تكتمل المعرفة ويرد الجميل إلى صاحبه، ومن أشهر ألحان القصبجي يا بهجة العيد السعيد، مدام تحب بتنكر ليه، ورق الحبيب لأم كلثوم، و«ليت للبراق عينا» و«إمتى ح تعرف» لأسمهان أثبت محمد القصبجي قدرته على تغيير الفكر الموسيقى وأسلوب الأداء بما يجعل إضافاته أساسا بعد ذلك يأخذ به من بعده، وسجل بذلك اسمه في سجل الخمسة الكبار بالإضافة إلى إنتاجه الفني الرائع فقد كان علمه الموسيقى غزيرا، وهو أستاذ لجيل آخر من موسيقيين وفنانين كبار أكملوا المسيرة الفنية في القرن العشرين وقد تعلم منه محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وأم كلثوم وأسمهان وفريد، خاصة تعلم العود، وقد قدم القصبجي خدمة جليلة للفن الموسيقي العربي كأستاذ للموسيقى الشرقية وآلة العود بمعهد الموسيقى العربية، فهناك تعلم على يديه فنانون كثيرون وأشد المتأثرين بفن القصبجي من الملحنين اثنان هما رياض السنباطي وفريد الأطرش وقد بدأ السنباطي حياته الفنية بحفظ وغناء ألحان القصبجي، وعندما بدأ التلحين كان واضحا في ألحانه انتمائه إلى تلك المدرسة الي نشأ فيها، إلى درجة التشابه الشديد أحيانا في الألحان، ومن المعروف أن السنباطي من تلاميذ القصبجي في العزف على العود أما فريد الأطرش فلم يستطع الفكاك من مدرسة أستاذه، والواقع أن أشهر معزوفاته وتقاسيمه على العود والتي اشتهرت في سائر أنحاء الوطن العربي هي نسخ من تقاسيم محمد القصبجي الذي لم يكن يؤديها في حفلات على الجمهور كما كان يفعل فريد، بل إن ألحان فريد الأطرش والمعروفة بجمل لحنية معينة تكررت في أغانيه مقتبسة من ألحان القصبجي ربما كما هي من أشهر ما لحن محمد القصبجي لأم كلثوم أغاني:إن كنت أسامح من مقام ماهور عام 1928/ وسكت والدمع أتكلم من مقام حجاز كار كوردي عام 1930 /والشك يحيى الغرام من مقام أثر كوردي عام1930/وما دام تحب بتنكر ليه مقام نهاوند 1940 /ويا صباح الخير مقام راست 1944/ ورق الحبيب مقام نهاوند 1944/ ومن القصائد أيها الفلك مقام نهاوند 1938/ والزهر في الروض مقام هزام 1940/ ومن أغاني المناسبات إن يغيب عن مصر سعد مقام نهاوند 1930/ ويا بهجة العيد مقام حجاز كار عام 1936 في عام 1944 لحن محمد القصبجي رائعته رق الحبيب لأم كلثوم ونجحت نجاحا كبيرا ومازالت تلك الأغنية تتردد لليوم كأحد أفضل ما قدمته أم كلثوم، ولا يزال المقطع الشهير من كتر شوقي سبقت عمري يوحى للسامع حتى بعد مرور عشرات السنين بما قصد الشاعر تصويره وقد نجح القصبجي في التعبير عن الصورة الشعرية بأفضل أسلوب، وللأغنية مقدمة موسيقية متميزة هي من كلاسيكيات الموسيقى العربية.
ويقال إن أم كلثوم قد طلبت من القصبجي الاقتصار على التلحين لها فقط والمقصود بذلك عدم قيامه بالتلحين لأسمهان في ظل المنافسة المشتعلة بين المطربتين لكن القصبجي رفض طلب أم كلثوم، ولم يكن يدرك بالطبع أن أسمهان سترحل عن الدنيا بعد قليل لكنه القدر، توفيت أسمهان لكن أم كلثوم رفضت حينئذ الغناء من جديد للقصبجي ردا على موقفه، وتوترت علاقتهما مما أدى إلى توقفه عن التلحين لها بعد ذلك، وخسر الجمهور المزيد من كنوز القصبجي وروائعه ومع هذا فقد ظل ضيف شرف في فرقة أم كلثوم الموسيقية كإسم كبير وعازف عود من الطراز الأول، وكان يكفى وجوده في الفرقة وظهوره باستمرار في الصف الأول لإضافة قيمة كبيرة للفرقة ولما تقدمه، بل وشرف كبير للملحنين الجدد الذين قاموا بالتلحين لأم كلثوم بعد ذلك فقد قام بأداء ألحانهم مع فرقة أم كلثوم وهذا في حد ذاته مكسب كبير لأي ملحن بما يوحى به من اعتراف ضمني بجودة اللحن وتمكن الملحن، وقد استمر كذلك طيلة 22 عاما حتى توفى الموسيقار الكبير عام 1966
رغم كل ما قدمه الموسيقار الراحل من جهد وفن فإنه كان باستطاعته تقديم أكثر مما قدم بكثير، وهناك عدة أسباب جعلت أعماله تكمن في نطاق محدود منها توقفه عن التلحين لقرابة عشرين عاما، وربما عاد هذا إلى أم كلثوم أكثر منه إلى القصبجي كما تقدم ووفاة أسمهان المفاجئة وهى في سن الشباب، وكان ينوى استثمار إمكانيات صوتها لأقصى حد.
اعداد: عبد الحفيظ حساينية
Par HSAINIA Abdelhafidh
-
Publié dans : Men adhakira
3
-
Recommander
merci pour ce blog plein d information et bon travail